قام خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية بجولة آسيوية زار خلالها الصين والهند وباكستان وماليزيا، وذلك ابتداءً من الحادي والعشرين من شهر يناير وحتى مطلع فبراير 2006. إن هذا التوجه شرقاً إنما ينم عن رؤية واضحة وبصيرة ثاقبة وقراءة سليمة للتطورات والمتغيرات، التي تشهدها الساحة الدولية بشكل عام ومنطقة جنوب شرق آسيا على وجه الخصوص.
فعلاقات الصين مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى تتخذ مساراً متسارعاً باطراد على طريق التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويعود ذلك في جانب مهم منه إلى حاجاتها من الطاقة اللازمة لتزويد عجلة اقتصادها المزدهر. فالصين اليوم تُعتبـَـر ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم، وتبلغ حصتها اثني عشر في المائة من إجمالي الاستهلاك العالمي من النفط، وتستورد ثلث حاجتها من النفط من الخارج. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تعادل حصة الصين أكثر من عشرين في المائة من حجم النمو الذي سوف يشهده الطلب العالمي على الطاقة، وذلك خلال الأعوام الخمسة والعشرين المقبلة. وتستورد الصين حالياً اثنين وثلاثين في المائة من نفطها، وهي كمية يُرجـَّـح أن تتضاعف خلال الأعوام الخمسة المقبلة. ويُرجـَّـح أن ترتفع وارداتها من الغاز في عام 2010 إلى ما بين 20 ـ 25 مليون متر مكعب، بينما كانت قادرة على سد احتياجاتها من الغاز من الموارد المحلية في عام 2000.
غير أن الشراكة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي تتضمن مصلحة مشتركة لأسباب متعددة، منها أن الجانبين متفقان على تعزيز نهج الانفتاح، وحريصان على الاستفادة من المناخ التجاري والاستثماري العالمي.
ومن الأسباب أيضاً التي تدعو إلى تعزيز الشراكة بين الصين ودول المجلس دخول الصين بشكل واسع إلى قطاع الخدمات النفطية في المنطقة، وذلك من خلال توقيع ثلاثة آلاف عقد مع أقطار مجلس التعاون الخليجي، قيمتها 2.7 مليار دولار، وتتصل بخدمات العمالة، وذلك منذ عام 2001. وتضمنت الروابط الاقتصادية الصينية المتنامية مع دول المجلس في عام 2004 اتفاقاً حول التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري والتقني، والتفاوض حول إقامة منطقة تجارة حرة بين الصين وأقطار المجلس. يُضاف إلى ذلك أخيراً أن الصين تبحث عن مجالات الحصول على مواد خام غير ذات صلة بالطاقة، من أجل تزويد صناعاتها، وهو ما يوسع نطاق محفظتها الاستثمارية في المنطقة.
أما الهند فتعد الآن الدولة السادسة الأكثر استهلاكاً للنفط في العالم، وتستورد سبعين في المائة من احتياجاتها النفطية، كما أنه من المتوقع أن تحل الهند بحلول عام 2010 مكان كوريا الجنوبية لتصبح الدولة الرابعة الأكثر استهلاكاً للنفط بعد الولايات المتحدة والصين واليابان، مع ملاحظة أن معظم واردات النفط الهندية تأتي من منطقة الخليج. وقد تحركت الهند في هذا الاتجاه بعد الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط، وارتفاع معدل التضخم لديها في نهاية عام 2004 إلى أعلى مستوياته خلال ثلاث سنوات ونصف السنة. أما في عام (2004 ـ 2005)، فقد زادت قيمة واردات الهند من النفط بنحو خمسين في المائة لتصل إلى تسعة وعشرين مليار دولار.
ومن المؤكد أن الحكومة الهندية عازمة على ضمان أمن طاقتها وتوفير احتياجاتها، ولا سيما أنها قررت أن توفر احتياطياً نفطياً استراتيجياً يصل إلى نحو خمسة ملايين طن بحلول عام 2008، وذلك بهدف توفير احتياجات البلاد لمدة خمسة عشر يوماً. ولتحقيق هذا الهدف، تبحث الهند عن احتياطيات جديدة، وتعزيز الإمدادات من المصادر التقليدية، بالإضافة إلى الحصول على مصادر جديدة من امتيازات للتنقيب في العديد من دول العالم. فالمملكة العربية السعودية تزود الهند بنحو ستة وعشرين في المائة من إجمالي احتياجاتها التي تُقدَّر بزهاء تسعين مليون طن، أي بمعدل 450 ألف برميل في اليوم، مما يجعلها رابع أكبر مستورد بين دول آسيا للنفط السعودي. ويتوقع وزير النفط الهندي أن تتضاعف هذه الكمية في المستقبل القريب، كما أن السياسة النفطية الجديدة تقوم على التعاون بين الدول المصدّرة والمستهلكة للنفط. وبدلاًً من القيام بتكرير النفط الخام في الهند، فإنه من الممكن أن تستورد النفط المكرر، لأن أي اتفاقية تقوم على الشراء أو البيع تؤدي في الأغلب إلى عدم استقرار في العلاقة. وبهدف تفعيل هذا التوجه الجديد، فإن الهند تشجع إقامة استثمارات سعودية في مجال تكرير النفط وتسويقه، بالإضافة إلى دراسة إمكانية الاستثمار في تطوير حقول الغاز في المملكة، فهناك الآن شركتان هنديتان تجريان مفاوضات مع شركة (أرامكو) حول إمكانية الحصول على استثمارات سعودية، وكذلك إمكانية ضخ المزيد من الاستثمارات الهندية في محطة تكرير (ينبع).
لقد شهد الاقتصاد الهندي نمواً بلغ 8.2 في المائة خلال السنة المالية الماضية، ومن المتوقع أن يتوسع بنحو سبعة في المائة خلال السنة المالية الحالية. وفي إطار استعداداتها لتحقيق هذه التوقعات، أعلنت الهند عن خطط لشراء مليون طن من النفط الخام سنوياً من قطر، وتشجيع المزيد من واردات الغاز المسال. وتحتاج الهند إلى الغاز لتلبية معدلات الاستهلاك التي ترتفع باطراد في المجالات الصناعية والنقل والمنازل، والتي تُقدَّر بنحو مائة وسبعين مليون متر مكعب في اليوم، ومن المتوقع أن ترتفع إلى أربعمائة مليون متر مكعب خلال السنوات العشرين المقبلة، علماً بأن إجمالي الإنتاج المحلي لا يتجاوز خمسة وثمانين مليون متر مكعب في اليوم، وتستورد الهند الكمية المتبقية، فقد ارتفع عدد السيارات المبيعة في الهند بنحو ستة عشر في المائة ليصل إلى سبعة ملايين وتسعمائة ألف سيارة خلال العام الماضي، هذا بالإضافة إلى خمسين مليون سيارة تجوب شوارع الهند. لذلك، فمن المتوقع أن يزداد الطلب على الوقود مع ازدياد المشاريع المحلية والإقبال على الرحلات الترفيهية، ولا سيما أن سوق الطيران الهندي يشهد زيادة سنوية بنحو عشرين في المائة. ومن أجل توفير هذا الطلب المتزايد على الطاقة، تجرى الآن مفاوضات بين الهند وباكستان لبناء خط أنابيب بطول 2775 كيلومتراً، وبتكلفة إجمالية تصل إلى أربعة مليارات دولار لضخ الغاز الإيراني إلى الهند عبر باكستان، وهي الخطة التي اقترحتها إيران في عام 1996، ولكن تسبب التوتر بين الهند وباكستان في تأخير تنفيذها. أما الآن، ومع تحسن العلاقات بين البلدين، فإن من الممكن أن يبدأ ضخ الغاز الإيراني بحلول عام 2012.
وفي السياق نفسه، تأتي المحادثات المتصلة بالتعاون الاقتصادي وتعزيز الإمكانات الاستثمارية والتجارية بين باكستان والمملكة العربية السعودية، والتي سوف تبرز بوضوح خلال هذه الزيارة. والجدير بالذكر أن باكستان تشهد الآن نمواً اقتصادياً ملحوظاً، إذ شهد عام 2005 تحقيق أسرع نسبة نمو في إجمالي الناتج المحلي، حيث بلغت 8.4 في المائة. وبلغ حجم التجارة البينية بين الجانبين في العام نفسه 2832.8 مليون دولار أمريكي، وذلك مقابل 2127.2 مليون دولار في عام 2004، كما شهدت التحويلات المالية من الباكستانيين العاملين في المملكة ارتفاعاً خلال العام الماضي أيضاً، فبلغت 627.19 مليون دولار مقابل 565.29 مليون دولار في عام 2004.
إن توجّه المملكة العربية السعودية شرقاً والذي تجسّده جولة الملك عبد الله في آسيا، لا يمكن أن يفهم على أنه يأتي على حساب علاقاتها مع الغرب، ولكن يجب النظر إليه من منطلق أنه خطوة باتجاه تنويع الأسواق الاستثمارية والعلاقات الاقتصادية للمملكة لتشمل أكبر عدد ممكن من مناطق العالم ودوله. وفي ضوء التطورات القائمة على الساحة الدولية، فإن المملكة تدرك أن العلاقات السياسية لم تعد هي الحاكمة للعلاقات الاقتصادية، وأن خدمة الوطن والمواطن تتطلب دائماً التكيف مع المستجدات لضمان استمرار الأمن والاستقرار والازدهار.
Month: June 2007
اتفاق المصالحة السودانية ـ التشادية..إنجاز آخر للدبلوماسية السعـــــــــــــودية
في خطوة تؤكد قناعة المملكة العربية السعودية الراسخة بأن المشكلات التي تعانيها المنطقة العربية وما جاورها تحتاج إلى حلول نابعة من المنطقة نفسها، حققت المملكة إنجازاً آخر يضاف إلى رصيد نجاحاتها، وذلك بالتوسط في التوصل إلى اتفاق مصالحة بين السودان وتشاد يحول دون اندياح دائرة الصراع الناجم عن أزمة دارفور. وبينما سيتضح تأثير هذا الاتفاق خلال الأشهر المقبلة، فإن من المؤكد أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي ـ والذي يشجع هاتين الدولتين الجارتين في إفريقيا على منع الحركات المتمردة ومجموعات المعارضة من شن هجمات عبر الحدود المشتركة، ويدعم جهود الاتحاد الإفريقي لتحقيق الاستقرار في إقليم دارفور السوداني ـ يمثل فتحاً جديداً في هذه الأزمة الشائكة.
وكانت الحكومة السودانية قد وقّعت اتفاق سلام دارفور، الذي رعاه الاتحاد الإفريقي، مع الفصيل الرئيسي من حركة تحرير السودان في العاصمة النيجيرية أبوجا خلال شهر مايو من العام الماضي، غير أن العنف لم يتوقف في إقليم دارفور. ويعَد هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً في الرياض مهماً في هذا الصدد، لأن قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي تقول إن الصراع في دارفور لا يمكن حله حلاً شاملاً إلا بعد توقف الأعمال العدائية على الحدود بين السودان وتشاد.
وبعد سلسلة من الجهود الفاعلة لمعالجة الأزمات المستفحلة في المنطقة، ومنها الاقتتال الداخلي بين الفصائل الفلسطينية، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وملفات لبنان وسوريا والعراق وإيران، بادرت المملكة العربية السعودية إلى الاستفادة من فرصة مؤتمر القمة العربي، الذي عقد في الرياض خلال شهر مارس الماضي، لكي تحاول إيجاد حل للصراع على الطرف الآخر من البحر الأحمر، وأيضاً لكي تعمل على إيقاف التدخلات الليبية المتأرجحة في هذه المنطقة. وتدخّل الملك عبدالله بن عبدالعزيز ليدفع الحوار البنّاء بين فرقاء الأطراف المعنية، ومنهم الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره التشادي إدريس ديبـي والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيس المفوضية الإفريقية ألفا عمر كوناري، وذلك بهدف التوصل إلى آلية فاعلة لحل مشكلة دارفور.
بعد أسابيع قليلة، قالت الخرطوم إنها قبلت بالمرحلة الثانية من خطة الأمم المتحدة (حزم الدعم)، والتي تتضمن إرسال 3000 فرد من عناصر تابعة للأمم المتحدة بهدف توفير الإمدادات والاتصالات والمساعدات الفنية للطيران اللازمة لقوات الاتحاد الإفريقي ذات التجهيز الضعيف، والتي يبلغ عددها نحو 7 آلاف جندي، بعد أن ظلت عاجزة عن إحداث تحول حقيقي ينهي الاضطرابات والاقتتال الدموي في إقليم دارفور.
فبالإضافة إلى أن المملكة العربية السعودية تمثل القوة الاقتصادية الرئيسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، فإن توجهها نحو الإسهام الفاعل في جهود حل النـزاعات في العالم العربي ينبع من الرغبة الصادقة لقيادتها الحكيمة في محاولة المعالجة المتأنية لمشكلات العالم الإسلامي المتراكمة. وتأتي هذه المبادرات الدبلوماسية الأخيرة في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة عاجزة عن التعامل الفاعل مع الأوضاع في العراق وإيران، وهي غير مهتمة بملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، هذا فضلاً عن فشلها في إيجاد الحلول الملائمة لكثير من المشكلات الأخرى التي تعانيها المنطقة.
وفي ما يتعلق بقضية دارفور، فإن المحاولات السعودية للتوسط في هذا الشأن تأتي كرد فعل لإثبات عدم صحة انتقادات الأطراف الأخرى، ومنها تشاد. ففي نوفمبر 2006، وجهت تشاد خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي اتهمت فيه السودان ومجموعات معينة في المملكة العربية السعودية بالضلوع في المحاولات التي تبذلها مجموعات المعارضة التشادية لإسقاط حكومة الرئيس ديبـي في انجامينا. وأثبتت الرعاية السعودية للاتفاق الذي تم بين السودان وتشاد في الرياض سلامة الموقف السعودي، وأكدت أن دوافع المملكة العربية السعودية بنّاءة وإيجابية في هذا الخصوص.
علاوة على ذلك، فإن الاهتمام السعودي بالشأن السوداني يؤكد مؤازرة المملكة لدولة عربية شقيقة، مثل السودان الذي حظي بنعمة الثروة النفطية، غير أنه لايزال يعاني مصاعب اقتصادية جمة. وقد ارتفع الإنتاج وحجم الصادرات السودانية من النفط الخفيف النقي بصورة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية. وكان السودان قد بدأ تصدير النفط خلال عام 1999 فقط. وأصبح فعلاً ثالث أكبر منتج للنفط في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتسبقه على رأس القائمة نيجيريا وأنغولا فقط، وسجلت الإحصائيات الصادرة عن وزارة الطاقة في السودان إنتاج نحو 500 ألف برميل من النفط يومياً خلال عام 2005، وذلك على الرغم من هذه الاضطرابات الداخلية – وطبقاً لما جاء في (مجلة النفط والغاز) الدولية – فإن السودان كان يملك احتياطيات تقليدية تبلغ 563 مليون برميل في يناير عام 2006، بينما تقول وزارة الطاقة السودانية إن إجمالي احتياطيات السودان من النفط يقدَّر بنحو خمسة مليارات برميل.
وطبقاً لتقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2006، يأتي السودان في المرتبة رقم 144 من بين 177 دولة شملها هذا التقرير. ومع وجود حقول نفطية ضخمة لم تستغَل أو تطوَّر حتى الآن، فإن من المتوقع أن تشهد صادرات السودان من النفط زيادة كبيرة إذا ما تحقق السلام، وساد الاستقرار أنحاء السودان، ليس بين الشمال والجنوب فقط، وإنما على امتداد أطراف البلاد وحدودها الإقليمية. ومن شأن ذلك أن يساعد كثيراً على ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وازدهار الاقتصاد السوداني، وبذلك يتم التخفيف من حدة الفقر.
وكانت الرغبة السعودية في مساعدة السودان على الخروج من الوضع الذي أقعده طويلاً قد اتضحت عندما قال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، عادل الجبير خلال الشهر الماضي إن بلاده (سوف تتحمل مسؤولياتها للتخفيف من معاناة أشقائنا في السودان). وقد اتفق وزير الدولة السوداني للعلاقات الخارجية، علي كرتي، مع هذا التصريح عندما أقر بأن المملكة العربية السعودية سوف تكون الضامن لنجاح هذا الاتفاق. وعند سؤال علي كرتي عما إذا كانت المملكة ستعرض تقديم مساعدات مالية للطرفين لضمان نجاح الاتفاق، قال (لا يوجد نص صريح في الاتفاق، ولكن المفهوم أن المملكة درجت على مؤازرة السودان والمسلمين في كل مكان).
بالإضافة إلى الروابط التاريخية العريقة التي تناولها الباحثون، والتي كانت قائمة بين ممالك إقليم دارفور والمملكة العربية السعودية، هناك مصالح اقتصادية أيضاً. ففي ديسمبر عام 2005، تم توقيع اتفاق في جدة بين رجال أعمال سودانيين وسعوديين لتأسيس شركة قابضة للاستثمار. وبدأ هذا الاتفاق بتأسيس شركة مساهمة عامة قابضة برأسمال يبلغ عشرة مليارات دولار للاستثمار في مجال العقارات، وتم تشكيل لجنة من الجانبين للعمل على تنفيذ الاتفاق الذي يغطي أيضاً الاستثمار في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والنفط والطاقة الكهربائية والنقل، بالإضافة إلى قطاع الخدمات المصرفية.
غير أن السبب الرئيسي وراء هذا الجهد السعودي الدؤوب تجاه معالجة الأزمات المختلفة في المنطقة، ومن ضمنها دارفور، يكمن في قناعة المملكة الراسخة بالحاجة الماسة إلى تحقيق وحدة الصف وإنهاء الخلافات. وتدرك القيادة السعودية أن العالم العربي يواجه التفكك والانقسامات، وأن ظهور المزيد من القضايا المثيرة للانقسامات سيدخل المنطقة بأسرها في حالة من الفوضى التي سيصعب حلها لاحقاً.
إن هذا الاعتقاد الراسخ هو الذي شجّع المملكة العربية السعودية على المبادرة إلى جمع الفرقاء العراقيين وتسهيل التوصل إلى إعلان مكة في أكتوبر عام 2006، وذلك عندما التقى نحو 50 من الزعماء الدينيين العراقيين، ووافقوا على العمل من أجل إنهاء إراقة الدماء بسبب الاقتتال الطائفي في العراق الذي مزقته الحرب. وبعد ذلك، جاءت الرعاية السعودية التي حظيت بدعم وقبول إقليمي ودولي واسع لاتفاق تقاسم السلطة بين الفصائل الفلسطينية المتصارعة، وذلك خلال شهر فبراير من العام الحالي، ومن ثم جاء الإجراء الذي اتخذته القمة العربية التي عقدت في الرياض خلال شهر مارس الماضي بتبني أول (مبادرة عربية للسلام) في الشرق الأوسط وتأليف لجنة متابعة لتنفيذها.
وفي الواقع، فإن مؤتمر القمة العربية التاسع عشر، الذي ترأسه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، سعى إلى تحمل المسؤولية عن حالة الانقسام والتردد العربي، ثم العمل على استنهاض الجهود العربية وتفعيلها لحل الصراعات والانقسامات والأزمات القائمة في المنطقة. وكان الملك عبدالله بن عبدالعزيز صريحاً في تحديد أن العرب أنفسهم هم المسؤولون عن التدخلات الخارجية في المنطقة، نظراً لتقاعسهم عن القيام بواجباتهم تجاه حل مشكلاتهم. كما أكد أن الدول العربية لن تتـرَك للقوى الخارجية كي تقرر مستقبل المنطقة. وبذلك أعاد الملك عبدالله بن عبدالعزيز إحياء آمال جديدة تحتاج إلى جهد إقليمي جماعي لمواصلة تفعيل حالة الحراك الحيوي التي دبت فيها.